ابن بطوطة

13

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

حكاية اعتبار شهدت مرة بهذا المسجد صلاة الجمعة فلما قام الخطيب به إلى الخطبة وسردها لحن فيها لحنا كثيرا جليا فعجبت من أمره وذكرت ذلك للقاضي حجّة الدين فقال لي : إن هذا البلد لم يبق به من يعرف شيئا من علم النحو ! وهذه عبرة لمن تفكّر فيها ، سبحان مغيّر الأشياء ومقلّب الأمور . هذه البصرة التي إلى أهلها انتهت رياسة النحو ، وفيها أصله وفرعه ، ومن أهلها إمامه « 45 » الذي لا ينكر سبقه لا يقيم خطيبها خطبة الجمعة على دؤبه عليها . ولهذا المسجد سبع صوامع إحداها الصومعة التي تتحرّك ، بزعمهم عند ذكر عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ، صعدت إليها من أعلى سطح المسجد ومعي بعض أهل البصرة فوجدت في ركن من أركانها مقبض خشب مسمّرا فيها كأنه مقبض مملّسة البنّاء ، فجعل الرجل الذي كان معي يده في ذلك المقبض وقال : بحقّ رأس أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه ، تحرّكي ! وهزّ المقبض ، فتحركت الصومعة ، فجعلت أنا يدي في المقبض وقلت له : وأنا أقول : بحقّ رأس أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تحرّكى ! وهززت المقبض فتحركت الصومعة « 46 » ! فعجبوا من ذلك ! وأهل البصرة على مذهب السنّة والجماعة ، ولا يخاف من يفعل مثل فعلي عندهم ، ولو جرى مثل هذا بمشهد عليّ أو مشهد الحسين أو بالحلّة أو بالبحرين أو قم أو قاشان أو ساوة أو آوه أو طوس لهلك فاعله ! لأنّهم رافضة غالية . قال ابن جزي : قد عاينت بمدينة برشانة « 47 » من وادي المنصورة من بلاد الأندلس حاطها الله ، صومعة تهتزّ من غير أن يذكر لها أحد من الخلفاء أو سواهم ، وهي صومعة المسجد الأعظم بها ، وبناؤها ليس بالقديم ، وهي كأحسن ما أنت راء من الصوامع ، حسن

--> ( 45 ) الحديث عن مدرسة البصرة وإمامها في النحو العلامة الفارسي سيبويه حديث سارت به الركبان منذ القرن الثاني للهجرة ، وهكذا فإن البصرة كانت قاعدة اللغة العربية ( د . المختار ولد باه : تاريخ النحو - إيسيسكو 1996 ، ص 205 ) ومع ذلك فإن ما حكاه ابن بطوطة يتكرر عبر السنين والأحقاب ، قال في التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية تعليقا على ملاحظة ابن بطوطة للحن خطيب الجمعة : وفي ذلك يقول الشيخ عثمان بن سند المالكي الشهير آخر فضلاء البصريين قد كانت البصرة الفيحاء من قدم * مجرى لأبحر نحو تقذف الدررا فأصبحت وهي صفراء الوشاح فلا * نحوى فيها سوى نزر وهم فقرا ! ! ( 46 ) وجد المهتمون بآثار إصفهان في عدم نص ابن بطوطة على المئذنة المتحركة ( منار جنبان ) دليلا على أنه أي المنار لم يكن موجودا أيام زيارة الرحالة المغربي للمدينة عام 727 1327 سيما وأن ابن بطوطة لم يهمل الحديث عن المنار المتحرك في البصرة كما نرى . . . - د . التازي : إيران بين الأمس واليوم ، ص 53 ، 1984 . ( 47 ) برشانة ( Purchena ) تقع بوادي المنصورة على بعد 58 ك . م . شمال مدينة ألمرية . هذا ويلاحظ استعمال ( الجامور ) من لدن ابن جزي وقد سبق أن ج I ، 30 تعليق 7 .